التشريع كآلية لإدارة الخوف الاجتماعي
لا ينشأ التشريع دائمًا في ظروف استقرار اجتماعي وسياسي، بل كثيرًا ما يُنتَج في سياقات يسودها الخوف الجماعي، سواء كان خوفًا من الجريمة، أو من الاضطراب السياسي، أو من التهديدات الأمنية، أو من الأزمات الصحية والاقتصادية، وفي مثل هذه السياقات يتحول التشريع من أداة تنظيم عقلاني إلى آلية لإدارة الخوف الاجتماعي، تُستخدم لإعادة ضبط السلوك الجماعي واحتواء القلق العام، ولو على حساب الحقوق والحريات. تثير هذه الظاهرة إشكالية عميقة تتعلق بطبيعة العلاقة بين الخوف والقانون: هل يُشرَّع القانون لحماية المجتمع من الخطر، أم يُستخدم الخطر بوصفه ذريعة لتوسيع السلطة التشريعية والتنفيذية؟ وهل يظل التشريع، في ظل الخوف، وفيًّا لمنطقه الحقوقي، أم ينزلق إلى منطق الاستثناء؟ الخوف ليس مجرد شعور فردي عابر، بل ظاهرة اجتماعية قابلة للتوظيف السياسي والقانوني.
فعندما يتحول الخوف إلى حالة جماعية، يصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل الرأي العام، وفي إعادة ترتيب الأولويات الاجتماعية، وفي قبول قيود لم تكن مقبولة في ظروف عادية. ومن هذا المنطلق، لا يتعامل التشريع مع الخوف بوصفه حالة نفسية فقط، بل بوصفه معطى سياسيًا يؤثر في شرعية التدخل القانوني، فكلما ازداد الشعور بالخطر، اتسع هامش القبول الاجتماعي لتشريعات استثنائية، حتى وإن مست جوهر الحقوق. تُقدَّم التشريعات التي تصدر في سياق الخوف عادةً تحت شعار الحماية: حماية الأمن، حماية النظام العام، حماية الصحة العامة، أو حماية الدولة ذاتها، ويُستخدم هذا الخطاب لإضفاء مشروعية أخلاقية وقانونية على تدخلات تشريعية واسعة. غير أن هذا المنطق ينطوي على إشكالية مزدوجة، من خلال أولًا غموض مفهوم الخطر الذي يستدعي الحماية، وثانيًا غياب معايير دقيقة لتحديد حدود التدخل، وبذلك يتحول التشريع من وسيلة لحماية الحقوق إلى وسيلة لإدارتها أو تعليقها. من أخطر نتائج التشريع القائم على الخوف هو تطبيع الاستثناء.
فالتشريعات التي تُسنّ بوصفها مؤقتة أو طارئة غالبًا ما تستمر، أو تُدمج في النظام القانوني الدائم، لتتحول من استثناء إلى قاعدة. هذا التحول يؤدي إلى تآكل مبدأ المشروعية، وتوسّع غير مبرر للسلطة التنفيذية، وإضعاف الرقابة البرلمانية والقضائية، وفي هذه الحالة لا يعود الخطر مبررًا للتشريع، بل يصبح التشريع نفسه مولِّدًا للخوف، عبر ترسيخ منطق الطوارئ الدائمة. تتجسد إدارة الخوف تشريعيًا غالبًا في تقييد حقوق أساسية، مثل حرية التنقل، وحرية التعبير، وحق الخصوصية، ويُبرر هذا التقييد بضرورة الاستجابة السريعة للخطر، دون إتاحة الوقت الكافي للنقاش العام أو التقييم الحقوقي.
وتكمن الخطورة في أن هذه القيود تُقدَّم بوصفها ضرورية وحتمية، وتُجرَّد من طابعها الاستثنائي، وتُقبل اجتماعيًا بدافع الخوف لا القناعة، وبذلك يُعاد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الطاعة الوقائية بدل الثقة القانونية. يُستخدم الخوف، في السياق التشريعي، لإنتاج امتثال سريع وواسع، فالأفراد تحت ضغط القلق الجماعي، يميلون إلى قبول القيود القانونية دون مساءلة، ويُعلّقون مطالبهم الحقوقية لصالح الإحساس بالأمان. غير أن هذا الامتثال لا يقوم على اقتناع قانوني حقيقي، بل على استجابة عاطفية ظرفية، ما يجعله هشًا وقابلًا للانقلاب إلى رفض أو مقاومة حالما يزول الخطر أو يُعاد تقييمه.
إن التشريع القائم على إدارة الخوف يترك آثارًا بعيدة المدى على بنية الدولة القانونية، من أبرزها: إعادة ترتيب العلاقة بين الحرية والأمن لصالح الأخير، وإضعاف الثقافة الحقوقية، ووترسيخ منطق السلطة الوقائية، وكما يؤدي إلى إعادة تعريف مفهوم المواطن، من صاحب حقوق إلى مصدر محتمل للخطر، يجب مراقبته وضبطه. لا يعني الاعتراف بواقع الخوف الاجتماعي إباحة التشريع المفتوح، فالدولة القانونية تفرض قيودًا صارمة على التشريع الاستثنائي، من حيث الضرورة والتناسب، والتحديد الزمني، والرقابة البرلمانية والقضائية، وعدم المساس بجوهر الحقوق، كما ان غياب هذه الضوابط يحوّل التشريع إلى أداة لإدامة الخوف بدل معالجته.
تتطلب إدارة الخطر تشريعيًا مقاربة عقلانية تفصل بين الاستجابة المشروعة للخطر، واستغلال الخوف لتوسيع السلطة، ويقتضي ذلك شفافية في تحديد طبيعة الخطر، ومشاركة مجتمعية في صياغة التشريع، ومراجعة دورية للتشريعات الاستثنائية، وبذلك يتحول القانون من أداة لإدارة الخوف إلى أداة لبناء الطمأنينة القانونية. ختامًا- يكشف تحليل التشريع كآلية لإدارة الخوف الاجتماعي عن وجه إشكالي للوظيفة التشريعية في الدولة المعاصرة، فبينما قد يكون التدخل القانوني ضروريًا لمواجهة أخطار حقيقية، فإن تحويل الخوف إلى أساس دائم للتشريع يهدد جوهر الدولة القانونية، ويقوّض الثقة بين السلطة والمجتمع. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنكار الخوف أو تجاهله، بل في تحرير التشريع من منطقه العاطفي، وإعادته إلى أساسه العقلاني والحقوقي، بما يضمن حماية المجتمع دون التضحية بالحرية، ويحقق الأمن دون تكريس الاستثناء.
باحثة لدى ملتقى النبأ للحوار
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!